19/02/2010
إلى أهلي الأعزاء وشعبي المتفهم، إلى مرشحي الرئاسة الأفاضل المحترمين، إلى المؤيدين والمعارضين، إلى عائلتي الكبيرة المتحضرة، إلى أولاد الفراعنة..... أنا مصدومة.
لقد أردت في مقالي الماضي أن أشارككم وقفتي السرية مع نفسي إلا أني في هذا المقال أود مشاركتكم صدمتي وفاجعتي التي قادني إليها ردود أفعالكم على المقال السابق.
أعزائي الخبراء بشؤون مصر أكثر مني، أنا مصدومة أن المقال السابق استغله بعضاً من مرشحي الرئاسة السابقين وأتباعهم كأرض ٍ خصبة لزراعة انتقادات واهية أم صحيحة في جبهة الطرف الآخر بدل أن يستغلوها بزرع كل ماهو صالح للشعب المصري البسيط الذي لا ينتظر من أي حاكم إلا مصر الأمن والأمان المذكورة في الكتب السماوية وفقط.!!
لقد استدرجتني ردود أفعالكم أيها الكرام إلى سؤال جديد: من منا بلا أخطاء ليحكم مصر؟؟؟
وماهية هذا السؤال للأسف تقودنا إلى حقيقة صادمة ألا وهي أننا نطلب ملاكا من الله ليقودنا إلى جنته على الأرض وإن كان الأمر كذلك يا سادة فاسمحوا لي إذا أن أنكر الحكم على أي كائن مصري كان أو سيكون فبطلبكم لا يوجد من يصلح لحكم مصر ولذلك دعونا نستعرض بعض الحقائق معاً.
فلنبدأ بالملك فاروق، سيئاً أم لا أمر يمكن قياسه بالإنجازات في عهده، فالملك فاروق سليل أسرة محمد علي وآخر أبنائها من حكام مصر، كان شهماً طيباً ذو خلق نبيل لكنه لم يكن صاحب حلول وكان يحيط نفسه بحاشية ذات ميول مزاجية وهو أمر شائع ومعروف.
أفضل ما فيه أنه أصيل من سلالة محمد علي - راعي النهضة الحديثة في مصر – وأخطاؤه فعلها من خلفوه كلٍ في مكانه وزمانه وهنا تبدو المقارنة واجبة في كل من حكم مصر من بعده .
كان محمد نجيب رئيساً بالأقدمية العسكرية - طيب الخلق - فيه من الأخلاق الإنسانية الكثير التي لا تحسب له كرئيس بقدر ما تحسب له كإنسان نبيل إلا أن الضباط الأحرار عاملوه كمعتقل أسير.
وهذا ينقلنا إلى فترة الزعيم القائد والرئيس جمال عبد الناصر الذي كانت أول بوادر سلبياته هي معاملته السيئة لمحمد نجيب.
والبادرة الثانية كانت التورط في حرب شاملة داخل اليمن، ورغم أني مع مساعدة الأنظمة العربية التقدمية لكن بشرط أن تساعد نفسها أولا ولا أكون بديلاً عنها ، وهذا خطأ عبد الناصر في اليمن.
أما البادرة الثالثة أنه ترك المشير عامر يتحول إلى ملك على الجيش المصري فلقد كان المشير عامر ورجاله في الجيش المصري بسلوكياتهم أقرب ما يكونون إلى الملك فاروق والحاشية التي جنت عليه ، صلاح نصر مثل أحمد حسنين وشمس بدران مثل إسماعيل صدقي - وعلى شفيق اخذ دور المرافق الإيطالي الأصل عند الملك فاروق.
لكن جمال عبد الناصر له من الإنجازات ما يتخطى أخطائه وأخطاء أعوانه مثل مساعدة العمال والفلاحين وهم الطبقة التي وقف بجانبها عبد الناصر والتي تشكل فقراء مصر المطحونين بنسبة لا تقل عن السبعين في المائة فقد كان معهم دائماً ويحكم من أجلهم داخل مصر وتمثل ذلك في الإصلاح الزراعي والصحة والتعليم والتشغيل، فأقام المصانع الحربية وبنى السد العالي مع المدارس والمستشفيات ، وقد فعل كل ما يستطيع من أجل الفقراء والمساكين قدر إمكانيات وموارد مصر الاقتصادية وحقق لهم بعض الاكتفاء الذاتي فكانت الفوارق الاجتماعية في عهده غير محسوسة بدرجة عالية.
وعلى مستوى السياسة الخارجية نصر العرب كلهم من الجزائر إلى الكويت وسوريا والعراق واليمن والسودان وفلسطين ويكفي أن البيت الفلسطيني الآن من أسسه هو جمال عبد الناصر كما يكفي السوريون أنهم تعلموا بناء الدولة من مؤسسات مصر الناصرية.
ويكفي السودان أنه تعلم الثقافة السياسية من المصريين الناصريين ، وحدث ولا حرج عن اليمن وما فعله مع أهل الخليج وخاصة الكويتيين ، والعراق تعلم الاستقرار على منهجه وجماهيريته منذ العام 1958
إن الرجال الذين تولوا إدارة المؤسسات الاقتصادية كانوا أقل كفاءة من غيرهم هذا صحيح، وإن قرار المشاركة في حرب اليمن لدرجة الانغماس فيها بنصف الجيش المصري كان خطأ هذا صحيح وقرار إغلاق مضائق تيران كان قراراً قوميا صائبا لكنه بعد النكسة بدا أنه خطأً لا يغتفر.
إن الابتعاد عن الغرب والارتماء في أحضان الشرق لم يكن خطأً ولم يكن أمام عبد الناصر سواه حلاً
ولكن ثبت الآن أن الارتماء في أحضان الأمريكان سيزيد عدد الفقراء بينما يزداد الاثرياء ثراء.
وماذا عن الديمقراطية؟
كانت روح الديمقراطية سليمة في عهد عبد الناصر دون اجراءاتها والعكس بدا لنا بعده وقبله!!!
كانت القاهرة عاصمة الثقافة والتنوير، والإسلام مع المسيحية لهما كيان وكذلك وجود حرية المرأة والاتحاد الاشتراكي العربي مع الغالبية من الناس، الديكتاتورية كانت عنيفة ضد رجال الإقطاع والإخوان.
التعذيب في داخل السجون مسؤولية شمس بدران وأعوانه، والهزيمة في العام 1967 مسؤولية القيادة العسكرية التي لم تنفذ مناورات تدريبية قبل الحرب بأربعة أعوام ،ونصف الجيش مشغول بحرب اليمن... كل هذه أخطاء لكن يدري عبد الناصر أو لايدري تلك المشكله ، فمن كان يجرؤ ان ينقل كلمة عن المشير عامر الى الرئيس / جمال عبد الناصر؟؟ علي صبري فعلها مرة وغضب المشير لدرجة جعلت علي صبري يسافر الى روسيا بحجة العلاج ومرة أخرى نقل شعراوي جمعه تقرير عن زواج المشير ببرلنتي عبد الحميد فهدد المشير يقتله لولا أن عبد الناصر طلب منه الاختفاء لعدة ايام حتى تهدأ ثورة المشير.
هل كانت خطيئة عبد الناصر أنه أبقى المشير على قيادة الجيش بعد الانفصال عام 1961؟؟
ربما نعم ولكن عبد الناصر وسط الاهتمامات السياسية الخارجية الكثيره في صنع مكانة ودور مصر القومي والعالمي ترك للمشير عامر وشمس بدران وصلاح نصر اتخاذ القرارات في إدارة مؤسسات البلد الداخلية
كانت بعض القرارات تحتاج الى عنف ثوري ، زاد عن حده في بعض الحالات نعم وهذا خطأ.
السياسات الخارجية– سياسة والسياسات الداخلية - إدارة
فهل كانت الإدارة الناصرية ناجحة في سياساتها الداخلية ؟؟ هذا هو السؤال...
أما السادات فالبعض يرى أنه جاء بما يخالف عبد الناصر في كل شيء كان الوجه الآخر لعهد الملكية في مصر وأعطى الحرية لكل من يعادي عبد الناصر واعتقل كل الناصريين وترك الاقتصاد المصري في أيدي حفنة من الأثرياء الجدد الجشعين ولو بقي الملك فاروق حاكما لمصر لن يفعل في مصر أقل أو أكثر مما فعله الرئيس السادات.
وإذا كان المشير عامر أخذ من الملك فاروق صفات حاشيته وسلوكياتها فان السادات أخذ منه منح الحرية للأثرياء الجشعين الذين نهبوا الاقتصاد المصري على حساب السبعين في المائة من الفقراء والمطحونين ، إذاً مساوئ الثورة هي مساوئ الملكية في حالتين : حالة المشير عامر والحاشية وحالة السادات والاقتصاد المنهوب للأقلية .
ومن عيونٍ أخرى ترى السادات أحد المقربين للزعيم الراحل جمال عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار، وهو الذي أذاع بصوته أول بيان لثورة يوليو.. وهو الذي تدرج لكفاءته ووطنيته في المناصب حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الجمهورية.. وبعد موت عبد الناصر اختير السادات رئيساً للجمهورية.. وقضى على "مراكز القوى" وخلص مصر من ظلمها واستبدادها.. وأطلق الحريات.. وقدم لمصر الدستور الدائم!!
وهو الذي علمته تجربته السياسية قبل وبعد الثورة الكثير.. فأصبح ذلك السياسي الخبير المحنك الذي قام بالتخطيط لحرب أكتوبر، في الوقت الذي أقنع الجميع -داخل مصر وخارجها- أنه لا يفكر في الحرب كحل لمشكلة مصر.. ثم اتخذ قرار العبور العظيم.. واستغل نصر أكتوبر أحسن استغلال فقام بالمبادرة.. وذهب إلى القدس.. وخطب في الكنيست الإسرائيلي.. وأعجب به العالم وصفق له طويلاً!!
وقد مرت فترة حكم السادات كأكثر العهود التي عاشتها مصر أمناً وسلاماً واستقراراً وتقدماً.. وكانت "الاحتجاجات" التي تُسمع أحياناً -مثل مظاهرات 18 و19 يناير 1977- موجهة أصلاً ضد الحكومات؛ لأن السادات كما هو في حقيقته، وكما عرفته مصر وعرفه العالم، هو ذلك الفلاح الوطني الطيب، والجندي الشجاع، والسياسي المجرب!!
لذلك فإن ما قام به بعض المتطرفين من اغتيال للسادات كان مفاجأة للجميع.. مفاجأة مفزعة وغير متوقعة بالمرة؛ لأن حكم السادات كان عادلاً ديمقراطياً مزدهراً!!!
وجاء الرئيس حسني مبارك ليرث هذا الحمل الثقيل وزاد عليه المقاطعة العربية لمصر بسبب الصلح الساداتي مع إسرائيل وسجل نجاحاً ملحوظا في إنهاء المقاطعة العربية لمصر واستعاد جزء من مكانتها التي فقدتها في عهد السادات وكان في صفاته الشخصية الأخلاقية مثل الرئيس الزعيم / جمال عبد الناصر وقد ذكرت سابقاً في العدد الماضي قليلاً من كثير مما أنجزه الرئيس حسني مبارك خلال توليه حكم مصر وتفضل بعضاً من مرشحي الرئاسة السابقين بذكر الجانب الآخر له ولكن يبقى الأهم هنا هو الاقتصاد المفتوح أو قل المنهوب والأغلبية الفقيرة من المصريين والتي تحتاج إلى حلول ثلاث : -
الحل الأول يأتي بالتكامل العربي واستثمار فوائض السيولة العربية المخزنة في بنوك الأمريكيين والأوربيين فهل يسمحون للعرب باستثمارها في مصر - هذا هو المستحيل
والحل الثاني أن تعود مصر إلى الاقتصاد الموجه وهو صعب الآن.
أما الحل الثالث فيتمثل في تخصيص زكاة الأثرياء المصريين للفقراء المصريين – كل ثري مصري يتكفل بعشرة فقراء مصريين – لو تم هذا على الوجه الأمثل والتوزيع الصحيح لن يبقى فقيرا واحدا في مصر يشتكي الجوع فهل يفعلون أم أن الأمر يحتاج إلى تخصيص وتدخل حكومي نزيه ورشيد بقرارات وأفعال لن يأتي بها إلا ملائكة على الأرض يعيشون - فهل في عصرنا هذا ملائكة على الأرض يعيشون ؟؟؟
للأسف لم يتغير شيء منذ فترة الملك فاروق بشكلٍ ملائكي كما تطالبون يا شعبي الكريم – الشعوب مغلوبة على أمرها مع كل الحكام ، والحكام مغلوب على أمرهم مع نزواتهم ورغباتهم وقوة الأمريكان ، لو جاء الوفد إلى الحياة حاكما لمصر سوف يتقاتل عليه الباشاوات ، ولو جاء الإخوان للحكم ستعاني مصر من حصار الغربان، فالفتنة في كل مكان مادام الضعيف ضعيفاً والقوي قويا.
انظروا إلى أحوال العراق ما قبل صدام ومعه ومن بعده واحكموا وانظروا إلى أحوال غزة مع الفساد ومع التغيير والإصلاح ،النتائج كلها واحدة....
ما هو الأصلح والأفضل والأمثل ؟؟ إن الأمر يحتاج إلى تغيير الكون، يحتاج إلى مهدي يقتل الدجال
والله إني لا أزال مصدومة من حقيقة أيقنتها من متطلباتكم الآن وهي أنه لا يوجد من يصلح لحكم مصر؟؟؟
فلا تلوموا أي مرشح للرئاسة على أخطائه فهو ليس بملاك ولا تحاسبونه على كونه مصرياً منكم لأنه قدرنا جميعاً أن من يرشح نفسه للرئاسة لابد أن يكون من البشر يا أحبائي، فإما أن نرضى بالأمر الواقع أنه لا يوجد ملائكة بيننا وإما أن نبدأ بنواة أنفسنا – أولادنا – لنربيهم على أن يكونوا ملائكة على الأرض حتى إذا حان عهدهم في الحكم كان من السهل الاختيار بينهم ، ولم لا فكلهم وقتها ملائكة!!!
إن أردتم الصلاح لمصر فابدؤا بأنفسكم إذاً، فذاك هو أهم مبادىء الحكم الرشيد أيها المصريون.