05/02/2010
تطفلت على غرفتي أشعة الشمس الذهبية لتعلن عن ميلاد يوم ٍ جديد، يوم أتجنبه منذ ثلاثة أسابيع مضت إلا أن موعده حان الآن وبرغم أني في العادة أطيل في ارتداء ملابسي إلا أنني أنهيت اليوم هذا الأمر بسرعة!!
فلم أعد أدري إذا كنت أخشى الذهاب أم أخشى عدم الذهاب!!
لففت نفسي بوشاح ٍ أسود واختبئت خلف نظارات سوادء وتركت مفاتيح سيارتي لأذهب في سيارة أجرة، ورغم أني فعلت هذا كي لا يميزني أحد إلا أنني شعرت أن هذه المبالغة لفتت انتباه الناس إلي أكثر!
لكن سرعان ما انتهى هذا الشعور فور وصولي إذ أني وجدت نسخا ً كثيرة مني داخل العيادة، فالكل رجالا أو نساءً كانوا متخفين مثلي مما أشعرني قليلاً بالارتياح.
تحدثت قليلاً مع الممرضة لأعطيها اسمي وموعدي الذي حددته لي منذ ثلاثة أسابيع، فطلبت مني الانتظار مع البقية.
جلست بجانب امرأة شابة يبدو من حذائها أنها غنية جداً وما إن سألتها عن مدة انتظارها حتى فتحت باباً للحديث بقولها: لا تسأليني كم ساعة انتظرت اليوم ولكن اسأليني كم سنة انتظرت قبل اليوم! إن لي ولد في الثالثة والعشرون ولم أره منذ كان في عمر الثالثة أي عندما كنت أنا في السادسة عشر من عمري، هذا لأنني هربت من أهلي وبلدتي الريفية صغيرة الحجم وصغيرة الفكر.
بدأت المرأة تضحك بهيستريا ثم أكملت: هل تصدقين أن نفس الضغوط والعادات الغبية السخيفة التي جعلتني أهرب منذ عشرون عاما هي التي جعلت ابني يلجأ إلى حياة الثمالة وبنات الهوى فيقيم معي علاقة ثلاث مرات؟!!! إن ضحكاتها المتعالية جعلتني أشعر أنها تمزح ولكن بريق الدمعة الوحيدة اليائسة في عينيها جعلتني أصدق أن هذا حدث فعلاً ولكن ما فائدة وجودها هنا في غرفة الانتظار؟! وانتظارها هل سيحل عقدة ما حدث ويعيد طهارة علاقتها بابنها؟!!! هذا لم أفهمه.....
حان دورها فدخلت وعندها أفزعني صوت إلى يساري يتنهد بصعوبة وهو يسألني عن الساعة حيث كان كهلا ً عجوزاً استثار سؤال بداخلي فيما إصراراه على تمضية ماتبقى له من الوقت وهو قليل هنا في غرفة الانتظار بدل أن يمضيه مع عائلته وأحفاده؟! ولكنه قرأ السؤال في عيني فأجاب: ليتني امتلك الوقت الذي لديك ِ لتضيعينه هنا بانتظار بعض الكلمات المنمقة من طبيب لا يعرف شيئا عن حياتك إلا ماتتفوهين به انت ِ، أتعلمين يا ابنتي لو أني أملك الخيار لأعود في مثل سنك لبحثت عن زوجة لتنجب لي أولاداً وبناتاً يجنبوني اللجوء إلى هذه العيادة في مثل هذا السن، فالكتابة عن مشاكل الناس أقحمتني فيها لدرجة أنستني أني لا أملك أية مشاكل شخصية لأني لا أملك حياةً خاصة بي! ابتسم العجوز ساخراً : أنا هنا لأني خالٍ من المشاكل ثم انزوى بيأس وابتعد عني قليلاً.
استفزني شاب يجلس مقابلا لي ويلعب بهاتفه المحمول ولكن لا يرتدي معطفا اسود مثلنا فتجرأت لأجلس بجانبه وسالته: ألا تخشى أن يتعرف عليك أحدهم وانت هنا؟! لم يرفع الشاب عينيه من على الهاتف وأجاب بابتسامة: أنا أصلاً هنا لأني مجهول هناك ولا يوجد من يعرف عني شيئاً، أنا نفسي لا أعرف شيئاً عن نفسي!! طفلٌ يتيم تربية ملجأ صغير وبدون أصدقاء؛ لأن تربية الملاجىء لا يمكن أن تخلق صداقات بين أولاد الملجأ الواحد إذ أن كل واحد فينا سيذكر الآخر بالمكان الذي يريد أن يمسحه من حياته، فلماذا أتخفى وأنا أصلا مخفي بين الناس؟؟
أشار الشاب إلى امرأة بجانبه تبدو مرتاحة في جلستها ومغمضة عينيها وقال باستخفاف: هل تعلمين أن هذه السيدة تأتي هنا لأنها تحب السينما؟ إنها تعشق دور السينما لدرجة أنها تقترض المال لتحضر أفلاما في السينما، إنه إدمان ولقد تطلقت مرتان بسبب ذلك!
ثم أشار بعينيه إلى رجل ضخم الجثة صاحب قبضة قوية ينظر إلى الأسفل باستمرار وكأنه يخجل من شىء ما وقال الشاب بصوتٍ خافت: هذا شرطي في الجيش والجميع يهابه ولكنه يهاب زوجته، هل تعرفين لماذا؟ لأنه لا يستطيع إثبات رجولته معها..... ضحك الشاب بسخرية وشماتة واضحة: يعني رجل صورة فقط...
وأكمل: المرأة التي بجانبه تدعي أنها تأتي إلى هنا بدلاً من زوجها الذي يكبرها بعشرين عاماً لتجد حلا لمشاكله، ولكن المضحك في الأمر أنه هو أيضاً يأتي دون معرفتها مدعياً أنه يحاول حل مشاكلها هي والغريب أن الاثنين يرددون نفس المقولة: أنا أحب حياتي معه/معها ولكن مشاكله/مشاكلها لم تعد تطاق.
وبسخرية قال: يعيشان في منزل واحد أغراب!! عادي..
وانظري هذه المرأة التي تختفي خلف هذا الفراء الأسود الثمين إنها ممثلة معروفة وأصعقني الشاب عندما همس اسمها في أذني وقال: إنها تأتي هنا مدعيةً للناس إذا عرفوها أنها تحضر لفيلم جديد تبحث عن قصته من واقع مشاكل الناس ولكن الحقيقة أن والدها اعتدى عليها وهي صغيرة أكثر من مرة حتى أصبح الأمر برضاها لدرجة أن والدها لما مات لم تعد تستطيع الزواج من أحد أبداً ولذلك هي للآن من عازبات السينما.
أما هذا الشاب النحيف هناك فلقد كان والده شرطياً صعب المراس لدرجة أنه خصص في منزله غرفة غريبة معدة لتشبه غرفة الحبس في قسم الشرطة وكان يحبس فيها ولده إذا أخطأ بكلمة أو بفعل أو حتى بصوتٍ غير مرغوب فيه على مائدة الطعام، ولأنه وحيد فقد تشرب كل المعاملة القاسية من والده لدرجة أنه لا يستطيع العيش دونها حتى بعد سبع سنوات من وفاة والده لا يستطيع الزواج كلما أقدم عليه لأنه اعتاد أن يكون تابع وليس سيد وهو الآن كلما شعر أنه أخطأ يحبس نفسه في غرفة الحبس تلك في منزل والده.
انظري إلى هذا الشاب الذي يدخل الآن من الباب ويعرج قليلاً، كان لاعب كرة قدم محبوب ومشهور جداً ولكن أصيب منذ ثلاث سنوات إصابة بالغة منعته من اللعب طوال حياته، ولأنه لا يعرف إلا أن يكون لاعب كرة قدم فلقد تهدمت حياته كلها في خلال هذه السنوات الثلاثة وانتهى به الأمر أنه حاول الانتحار ست مرات حتى الآن.
سألت الشاب بفضول: كيف تعلم كل هذه الأمور عن الناس؟
ضحك بسخرية وقال: اجلسي هنا في غرفة الانتظار عشر سنوات مثلي وستعرفين الإجابة...!
نظرت حولي بخوف وقبضة في قلبي فوجدت الغرفة قد اتسعت بقدر العالم أجمع وكأن كل الناس في البلد أصبحت هنا في غرفة الانتظار هذه! أرعبني الأمر لدرجة أني حملت حقيبتي وهممت بالانصراف بهدوء وجاء صوت الممرضة لتعلن عن دوري بالدخول ولكن كلمات الشاب وضحكته الواثقة أرعبتني أكثر وهو يردد: أين ستذهبين؟ يوما ما ستعودين هنا شئتِ أم أبيتِ!!
فركضت بسرعةٍ فائقة ودموعي تتطاير أمامي وصوتي مخنوق بسؤال لم أجد له إجابة: إن كان كل الناس في الداخل فمن يعيش خارج غرفة الانتظار؟؟؟!!!!
No comments:
Post a Comment