14/5/2010
كثيرة هي المواقف التي تستوقفنا في الحياة .. ولكن نادرة هي المواقف التي لا تدعنا نمر، فنظل متحجرين ، لا نحن نعرف حلها ، ولا هي تركتنا نمر كالآخرين .. هذا هو الإحساس بالعجز.
وهذا ما شعرت به بالضبط في الأسبوع قبل الماضي ما جعل قلمي يتوقف عن استرسال ما في خاطري ، فلقد تمرد على كمية الأسى والحزن في مشاعري ولم يستطع أن يساعدني في شرح كل ما حل بكياني الإنساني الذي فقدته للحظات عند كل حدث مر بي في ذلك الأسبوع.
بدأ الأمر بفيديو التمثيل بجثة الإنسان محمد مسلم في لبنان، ورغم أني كنت أعرف الخبر سابقاً وسمعت هول ما حل به إلا أن مشاهدة توقيع انعدام الآدامية في نفر من البني آدامين – المفترض- كان شيئاً مقززاً ومنفراً إلى حد الإحساس بالغثيان، فماذا بقي في داخلنا كبشر إذا تجرأت يدنا على تقطيع وسلخ وتشويه جسد بشري عربي مسلم ، وبعدها التهليل والزغاريد من حوله ؟؟؟
بغض النظر عن إجرام الضحية إلا أني كبرت على نهج الرسول – صلى الله عليه وسلم – في المعارك الإسلامية حيث يكرم أسراه من الكفار ويحرم التمثيل بجثثهم ، فوجدت بداخلي صراعاً دموياً حاداً لما تشهده عيناي من وحشية وما يردده عقلي من سلم .
بدا الأمر وكأننا في غابة تجتمع حفنة من الحيوانات للاحتفال باصطياد الذئب فريسة ً مشبعة ومن شدة صرعهم لم يقوى أياً منهم على انتظار إشعال النار لتسويته فنهش كل واحد فيهم قطعة نيئة متلذذاً بمشاركته في الصيد.
مشهد مقزز أيها السادة البشر... أليس كذلك؟
بدون تخطيط للأمر شعرت برغبة غريبة في البحث عن خطابات الرئيس الراحل أنور السادات لما لها من هيبة خاصة نستشعرها ونحن نسمع كلماته المدوية الخالدة كمثلاً: "مصر هي أم العرب" ، " لقد جئت إليكم اليوم على قدمين ثابتتن لكي نبني حياةً جديدة وكي نبني السلام" و " أنا سأكون وسط أولادي"
والجملة الأخيرة قادتني إلى البحث طويلاً عن أقرب تصوير فيديو لحادث اغتيال السادات، ومن عدة جوانب سياسية وزوايا أجنبية مختلفة وحوار وزير الداخلية آنذاك اللواء النبوي اسماعيل شعرت بغصة في صدري أفقدتني تمييز ما يعرض على شاشة الكمبيوتر وقد تجمدت ذاكرتي على مشهد اليد اليسرى للسادات وهي تتحرك حركاتها الأخيرة تحت الكراسي المقلوبة وسط سيل من الدماء!!!
أهذه اليد التي ارتفعت عالياً لتصفع اليهود في 73 ؟ والتي ارتفعت تحذيراً للقذافي إثر تطاوله على مصر؟ والتي امتدت بالسلام لأولاده الذين كان منهم خالد الاسلامبولي وعبود الزمر وحسين عباس؟
توجهت أصابع الاتهام جميعاً إلى هؤلاء الثلاثة بشكل شخصي وآخرين معهم لمجرد اعتراف ساذج من وجهة نظري لا يظهر سوى أنهم كانوا مجرد أدوات رخيصة لاغتيال مروض اليهود والأمريكان، فهم كانوا مجرد ممثلين على مسرح الجريمة يمسكون بسلاح جارح بينما يختبىء القاتل الحقيقي خلف الستار ممسكاً بسلاحه الفتاك ليضرب الضربة الأولى والقاضية ويترك هؤلاء الممثلين يقدمون العرض المسرحي بوابل من الطلقات الغير مؤذية.
ورغم تأكيد النبوي اسماعيل على معرفته بل يقينه بمحاولة اغتيال الرئيس وسؤاله للدكتور فؤاد محي الدين قبل حادث الاغتيال بيوم واحد في سيارته عن الوضع الدستوري بعد اغتيال رئيس الجمهورية وتأكيد جميع الشواهد لذلك إلا أن الجهود لم تتكاتف لحماية هذا الزعيم العربي الداعي للسلام.
ولكن يبقى في ذهني السؤال: من أين تم اغتيال السادات؟ من حرسه الخاص؟ من الخارج؟ من المنصة؟ من أولاده؟
مع العلم أن الإجابة التي أبحث عنها ليست مكان....!!
من فترة شاهدت إعلان تلفزيوني بسيط الفهم غزير المعنى اجتذبني مضمونه حيث يتم اختتامه بجملة " لا تجعل صمتك سلاحاً ضد الأبرياء"، وهو يمثل لنا الإرهاب بشكل بهلوانات يستهدفون الجمهور المتفرج.
وهنا سرحت لحظة مع الجو التهويدي الجاري في الأقصى واستحدثت ذاكرتي صورة المصلين المسلمين في ساحة المسجد الأقصى الخارجية يركعون أمام الشياطين حاملي السلاح الإرهابي من وجهة نظرهم وقد انقسم فريق منهم داخل المسجد بالأحذية والسلاح.
إني اعتبر في هذا المشهد الطويل أن الصمت هو الإرهاب ولكن.... من هنا الضحية؟
رغم أني على مدار عشر سنوات وأكثر شاهدت فيلم "لا تسألني من أنا" وحفظته بأغانيه عن ظهر قلب لأنني أعتبره من روائع السينما المصرية إلا أنني صادف وشاهدته في نفس هذا الأسبوع حيث تراكمت هذه الأحداث في ذهني فلمست منه تجسيداً لواقع لا يتغير وتجلى ذلك أكثر ما يكون عندما أبدعت الفنانة شادية صارخة ً : " طول مافي فقر، الناس مش بس هتبيع عيالها، دي هتبيع لحمها" وأعتقد أنه في وضعنا الحالي سنجد أكثر من شاري لأن لحم البقر صار أغلى من لحم البشر، واسمحوا لي أن أقتبس بعض كلمات أغاني هذا الفيلم كتعبير بسيط عن كل موقف مما ذكرتهم بالأعلى.
عن الموقف الأول تقول شادية للعرب: " عالم غريب غريب، ضميره مات واحنا ضحاياه كلنا... وادينا ماشيين من سكات، عايشين بناكل بعضنا"
عن الموقف الثاني أقول للسادات: " وداع وداع وداع، وداع من غير فراق، زمن البراءة ضاع، والعالم ليك باع"
عن الموقف الثالث تسأل شادية الشعب العربي: " مين يشتري ورد الربيع؟ أدينا بنبيع عمرنا، يا ترى احنا بعنا روحنا ولا زمنا اللي باعنا؟"
ورغم جميع مآسي الفيلم وأحزانه المترامية في جميع أركانه إلا أن المبدعة الجميلة أنهت الدراما الواقعية بكلمات آملة في الغد وأنا أقتبسها منها لإنهاء المقال.
تتغنى شادية في تحدي للزمن القاسي فتقول: " لا تسألني ولا تقولي، أنا لا اسم لا عنوان... عمري ما كان ولا يكونلي مكان إلا في كل مكان... بعيش أبكي وأنا كلي أمل في بكرة مهما كان... أنا الفرحة أنا الأحزان، وانا الذكرى وانا النسيان... وانا اللي بلونك يا زمان بإنسانية الإنسان .
No comments:
Post a Comment